الطلاق أحيانا يكون بوابة لمستقبل جديد

عالم الأسرة » هي وهو
15 - ربيع أول - 1432 هـ| 19 - فبراير - 2011


1

      جملة مشاعر من الإحباط والفشل، يرافقها إحساس بالظلم، سواء من المجتمع أو من المحيطين تتعرض لها المرأة بعد أن تخوض تجربة الطلاق المرة.

        بعضهنّ يرزحنّ رهن تلك الحالة، فتغبنَّ عن تفاصيل الحياة المشعة بالأمل المشرقة بالتفاؤل والعمل، والبعض الآخر يواجهنَّ التحدي ويلجأ إلى صنع مستقبل آخر من ألم التجربة للنأي بأنفسهنَّ وأبنائهنَّ عن معترك اليأس ومشاعر الإحباط والفشل، تجدهنَّ يستكملن الدراسة الجامعية حيناً وإذا ما امتلكنها تجدهنَّ خرجن للمجتمع بصدر رحب متحديات علامات الاستفهام الكثيرة التي تضعها منظومة العلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد حولهنّ، عبر شحذ هممهن وتقوية شخصياتهن وتركيزهن على بناء ذواتهن للترفع في المجتمع والحصول على مكانة مرموقة غير التي كانت بانتظارهن كونهن مطلقات فقدن الأمان النفسي والأسري بافتقاد الزوج.

 "لها أون لاين" في سطور التقرير التالي نعرض نماذج لسيدات انتهت حياتهن الزوجية بالطلاق فلم يركن لجدران اليأس والألم، واستطعن أن يواجهن صعاب الحياة ويكتبن حروف مستقبلهن بإمكانياتهم المختلفة، ونبصر رأي الأخصائية في خطوات المرأة؛ لأن تجعل طلاقها طلاقاً ناجحاً لا يؤثر أو يزعزع الأمان النفسي لأبنائها، تابع معنا.

     بعد الطلاق لم تترك فداء من مدينة رفح جنوب قطاع غزة وسيلة للتواصل والتفاعل مع المجتمع إلا سلكتها؛ بغية الخروج من تبعات الألم النفسي الذي رافقها،  أرادت أن تعود للحياة بمزيد من الأمل فلم تتقوقع على ذاتها، وكانت أولى خطواتها الحصول على فرصة عمل تعينها على تلبية متطلباتها الأساسية، بالإضافة إلى استكمال مشوارها التعليمي الذي قطعته بسبب الزواج ومسؤولياته الكبيرة، تقول  فداء :"كانت وجهتي الأولى إلى مركز البرامج النسائية في المدينة لتعلم حرفة الخياطة لتكون لي مصدراً للدخل" غير أنها لم تحترف الخياطة، وعمدت إلى التدريب في مجال الحاسوب وأصبحت أعلم الأطفال علوم الحاسوب في المركز.

         لم تغفل فداء عن الدراسة وأشارت إلى أن خروجها واختلاطها بالمجتمع منحها القوة والصبر بالتوازي مع دعم الأسرة وتشجيعهم على استكمال الدراسة في تخصص آخر في إطار ملء وقت الفراغ بعد الطلاق، والتخفيف من حدة آثاره السلبية على نفسيتي لافتة إلى أنها تحمل شهادتين بكالوريوس إحداها في علوم الكمبيوتر والأخرى في تخصص اللغة الإنجليزية.

        من ناحية أخرى تشير إلى أن خروجها إلى المجتمع  أضاف لها الكثير من الخبرات الحياتية والمهارات التفاعلية مع الناس ومع الظروف الطارئة، مؤكدة أنها لم تتجه إلى العمل من أجل الكسب المادي فقط ، وإنما لاكتساب أصناف متنوعة وخبرات مختلفة لافتة إلى أن الأزمات التي يمر بها الإنسان يجب أن تكون دافعا له للتطور والإنجاز والتفاعل مع المجتمع وليس للإحباط.   وشددت على أن الإنسان قابل للبناء لآخر لحظة في حياته، وأن الأزمات ليس نهاية الدنيا وفقاً للحكمة القائلة:"اليوم هو أول يوم فيما تبقى من الحياة" وتتابع أن الفتاة هي من تعطي المجتمع سمة القسوة والنظرة السلبية للمطلقة داعية المرأة عموماً التفاعل مع المجتمع، وعدم الحكم عليه وفقاً لخبرات الآخرين، وأن تعمد إلى المحاولة لاكتساب الخبرات والمهارات التي تجعلها تقوم بدورها في المجتمع على أكمل وجه.

معنى الأمل

    ولدى سهاد - 40عاماً- ، من مخيم الشاطئ بمدينة غزة تفاصيل الحكاية بألمها وأملها مختلفة كثيراً، تزوجت السيدة في سن مبكرة ولم يمض كثيراً على زواجها حتى وجدت أنه من الصعوبة بمكان الاستمرار في الزواج؛ فقررت الانفصال وكان لها ما أرادت لتبدأ تجربة مليئة بالنجاح والأمل سبقتها مرحلة وافية من التصالح مع النفس، حققت لها الرضا الذاتي والقبول الاجتماعي على حد تعبيرها.

 وبشيء من التفصيل تتحدث عن تجربتها فتؤكد أنها طلقت قبل عشرين عاماً أي في تمام عمرها العشرين، وتضيف أن طلاقها في سن مبكرة أحبطها قليلاً لكنها كانت مؤمنة بأن الحياة بعد الطلاق ممكنة إذا ما أرادت المرأة ذلك، تقول:"كنت أحمل في أحشائي طفلاً حين وقع الطلاق وذلك ما دفعني لأن أستثمر إمكاناتي وأعزز قدراتي على مواجهة المجتمع والصعاب من أجله".   وتستكمل أنها بعد ميلاده كانت له الأم الحانية والأب الناصح، احتضنته بضلوع قلبها ومنحته الأمن النفسي وفي ذات الوقت عمدت إلى استثمار طاقاتها وإمكاناتها في العمل؛ من أجل توفير ظروف معيشية حسنة له، تشير قائلة: "إن عملها في إحدى الجمعيات الخيرية لم يشغلها عن مسؤولية تربية ابنها، فشب على التربية الإسلامية القويمة، وما إن أكمل عامه الثاني عشر حتى أتم حفظ القرآن الكريم".

       الآن قد التحق ابنها بالجامعة، تفتخر به كثيراً وسعيدة لأنها استطاعت أن تجنبه الآثار السلبية لافتقاد الأب.

       تؤكد سهاد أن المرأة المطلقة بإمكانها أن تجعل من طلاقها طلاقاً ناجحاً بالنأي بنفسها وأطفالها عن تأثيراته السلبية، والالتفات إلى ما لديها من إمكانيات واستثمارها في بناء مستقبل مشرق بنجاحاتها، بعيداً عن النظرة السوداوية للمجتمع وعلامات الاستفهام التي يضعها حول المطلقة.  وشددت على أن الحل لا يكون أبداً بالسعي وراء تجربة زواج ثانية؛ للتخلص من لقب مطلقة، بل بشحذ الهمة واكتشاف النفس لتحقيق النجاح بعد الفشل.

الطلاق الناجح وانعكاسه على الأبناء

        من جهتها تؤكد الأخصائية الاجتماعية والأسرية في جمعية "عايشة" النسائية ،  آيات أبو جياب أنه على الرغم من أن الطلاق أبغض الحلال عند الله، إلا أنه غالباً ما يمثل حلا شرعيا، وأضافت في حديث لـ " لها أون لاين "  أنه يؤدي إلى مشاكل نفسية قد تزول وفقاً لحالة  تعاطي المرأة  مع وقوع الطلاق وقدرتها على التكيف مع الوضع الجديد، خاصة بعد اصطدامها بالنظرة السوداوية للمجتمع تجاه المطلقة.

        وبيّنت أبو جياب أن وجود أبناء بينها وبين طليقها يؤثر كثيراً على نفسيتها، ويجعلها تلجأ إلى الهرب، إما بالمحاولة الإيجابية بالتركيز على ذاتها وشحذ إمكانياتها وتقوية شخصيتها وبناء مستقبلها ومستقبل أبنائها، باستكمال دراستها والترفع في المجتمع للحصول على مكانة مرموقة والقيام بدور فعال في المجتمع، أو بالمحاولة السلبية بالاجتهاد والسعي للحصول على أي فرصة زواج للتخلص من لقب مطلقة وإيجاد معيل لأسرتها.   مؤكدة أن هذه المحاولة كثيراً ما تجر على المرأة مشاكل أخرى.

     وشددت أبو جياب على أن التأثير السلبي الأكبر للطلاق بين الأزواج يقع على الأبناء، حيث يتعرضوا لصدمة الانفصال عن الأب والأم، وتتزعزع أفكارهم بين الأقاويل المختلفة للوالدين المنفصلين، وقالت: "إن الانفصال يزعزع الأمان النفسي والأسري للأطفال؛ نتيجة انفصالهم على شق واحد من الأسرة إما الأب أو  الأم".   وأضافت أن الأطفال يتعرضون أيضاً لمشاكل أخرى تتعلق بزوج الأم أو زوجة الأب واللذين غالباً وفق عادات المجتمع التقليدي لا يتقبلان الأبناء الأوائل مما يؤدي بأولئك الأطفال إلى تكرار عيش صدمة الانفصال مرة أخرى.

وطالبت أبو جياب الراعي للأطفال بعد الطلاق سواء الأم أو الأب  أن يحاولا توفير نوع من الدعم والحماية للأبناء.    كما ودعت أبو جياب  المجتمع إلى الرأفة بالمرأة المطلقة وتغيير النظرة السوداوية لها، بعدم نبذها وتدعيم ثقتها بنفسها؛ مما يجعلها تعمد إلى احتضان الأطفال بجو من الراحة والأمان النفسي وعدم سلخهم عن الواقع، وشددت على أن وقوع الطلاق من الممكن أن يكون مفيدا لحياة الأب أو الأم مستقبلا، وذلك بالعمل على الجانب النفسي، خاصة إذا كان الأطفال في حضانتها، فتعمد إلى دعم جانب الأب بحيث لا ينعكس على سلوك الأطفال، وألا تحاول حشو أفكارهم بكلمات عن الزوج حتى لو كان الكلام حقيقيا أو مغلوط ا، وعلى الوالدين أن لا يعتبروا الطفل الحاضنة التي يفرغوا فيه عبء المشاكل الزوجية التي دارت بينهما،  ويحاولا  احتضان الأطفال وتعويضهما، ويقويا إمكانياتهم وثقتهم بنفسهم، قائلة: "الطلاق قضاء من الله، وعلينا التفكير جيداً قبل الوصول إليه ،ولو وصلنا ممكن يكون بوابة لمستقبل جديد لكلا الطرفين". مؤكدة أن المهم توفير الدعم النفسي والإمكانات المادية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...