وجاءت مواسم الخير وأسواقه تترى.. فهل نغتنمها؟

كتاب لها
25 - رجب - 1435 هـ| 25 - مايو - 2014


1

((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ.......)) سورة المؤمنون من 1-5 وما بعدها.

 

     خلق الله السماوات والأرض بالحق في ستة أيام، وفي هذا إشارة إلى حكمة خلق الزمان والمكان لمن تدبر. علاوة على حكمة خلق الأرض والسماء لمن يتأمل. ثم اقتضت حكمة الباري أن يفضل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض، كما أنه اختص جزءا من هذا الزمان، ففضله على سائر جنسه، مثلما اختص مكانا دون آخر، ورفع من شأن بقعة منه على بقية البقع الأخرى.

     والحديث عن ماهية الزمان والمكان، وتنوعهما وتفاضلهما وتغيرهما، وما إلى ذلك من الأسرار التي تكمن في حقيقتهما مما عرفه الإنسان، أو في طريقه إلى معرفته إذا أذن الله بذلك، وتوافرت الأسباب والأشخاص الذين يوفقون إلى بيان حكمة الله في خلقه – الحديث عن تلكم الماهية فيه عبر ودروس لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ)) سورة آل عمران.

      أريد أن أركز في هذا المقال على مسألة اغتنام الوقت، ونحن على مواسم خير قادمة إلينا تترى، وحياتنا هي أعمارنا، ولكل منا فترة محدودة ينبغي أن يهتبل (يغتنم) كل ساعة فيها؛ ليعمل الخير وينصر أتباعه، ويدعمه بكل ما أوتي من قوة.

     نحن في نهاية شهر رجب ثم يليه شعبان ثم رمضان، وهي أشهر فضليات يستحب العمل فيها. فإذا ما انسلخت فإذا بهلال شوال يطل علينا، ثم ذو القعدة إلى أن تدخل أيام الحج وما أدراك ما الحج؟ وتسمى تلك الأشهر أشهرا حرما، وهي متوالية (ذو القعدة والحجة والمحرم) والرابع فرد (رجب).

     إن تلك الأيام والشهور والساعات جعلها الله تبارك في علاه مواسم خير وطاعة، يستحثنا المولى على الاستكثار من عمل الخير والبر فيها، وإن قصر آجال أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عُوِّضَتْ بزيادة الأجر في أزمان مخصوصة وأمكنة مخصوصة. فأين المشمرون قبل أن تذهب هذه الأوقات ولن تعود إلا يوم القيامة كما جاء في الحديث.

     فإذا كانت قيامة كل منا تبدأ من حين انتهاء العمر، والانتقال إلى الدار الآخرة والتي أول منازلها القبر. فلماذا تسوف يا عبد الله، ولماذا لا تبادر إلى التوبة النصوح إذا ألمت بك المعاصي ولابستها. ماذا تنتظر؟ وبم تفكر وكيف تصرف حياتك؟ وهل أعددت لكل مسألة جوابا؛ لأن من نوقش الحساب، عُذِّبَ. أليس من الأحسن لك أن تجعل قبرك روضة من رياض الجنة، بدلا من أن يكون حفرة من حفر النار. فهل أنت مستعد لتصحيح وضعك مع خالقك، وتقبل على ما يرضيه من غير ما تأجيل، قبل أن تنسلخ هذه المواسم ولا تدري أتدركها مرة أخرى.

        إن العبد لا يتحسر على شيء عقب وفاته، إلا على رُكَيْعَات لم يصلها، أو ذكر تركه، أو صدقة لم يصرفها في طاعة مولاه، ويتمنى لو عاد إلى دنياه؛ ليجعل لسانه رطبا من ذكر الله، أو نظره فيما أحل الله له، أو أُذُنَيْهِ فيما أبيح له أن يستخدمهما، وأن يكون قد صرف وقته في خدمة دينه والعمل الصالح؛ ولكن لا ينفع الندم بعد الموت، فالدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء وأجر. وصدق الله إذ يقول: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ....!!))سورة الأنبياء من 1-3

     وللأسف الشديد فإن الناس – اليوم – لا تعيش إلا في ثقافة الدنيا، فلا تبخل عليها بوقت للحصول على لذة منها فانية، وأما ثقافة الآخرة (والتي لا تحرمه من لذائذ الدنيا المباحة وما أكثرها!)، فلا نصيب لها في تفكيره إلا حالات محدودة معدودة، على الرغم من أنها الباقية – ولا أعمم -  اللهم بصرنا بعيوبنا، وارزقنا العمل الصالح.  اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.   

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...