تأملات حول الوقت مع شهر الله المحرم

كتاب لها
20 - محرم - 1436 هـ| 13 - نوفمبر - 2014


1

   "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ" التوبة 36.

     الوقت ثمين، ومن لم يحسن الاستفادة من وقته، ندم على ضياعه، وشعر بنفاسة الزمن الذي استهان به كثير من الناس، على الرغم من أنه أحد أعمدة قيام الأمم، وتفوقها على غيرها؛ كما أنه من أنفس ما وهب الله لعبده في هذه الحياة؛ فإذا خسر العبد زمانه فقد خسر كل شيء.

     وإنك لتعجب من أناس لا يبالون بالوقت؛ فتراهم في المقاهي والأندية، والأسواق وفي لهو ولعب لا يسمن ولا يغني من جوع. ونظرا إلى أهمية الوقت، فقد أقسم المولى ببعض أجزائه، فقد أقسم بالفجر وليال عشر وبالعصر، والضحى، والليل، والنهار.

     إن للوقت إدارة ينبغي أن يحسن المسلم استغلالها، والتخطيط لإقامة مناشط ينفع الله بها العباد والبلاد، كما أن هناك أوقاتا يكره العمل بها، وللإنسان أُوَيْقَاتٌ يستحب أن يخلد المسلم فيها للراحة والاستجمام.

     إن شهر الله المحرم – وهو بداية العام – يستدعي منا أن نعيد حساباتنا مع الزمن؛ فحبذا أن يراجع المسلم أبرز سجل أعماله ليحمد الله على ما أحسن؛ كما أنه يستغفر الله عن كل فعل غير محمود، وينبغي أن نتأمل حركة الزمن التي تمثل حركة الحياة التي تسير نحو الأجل، فيتذكر العبد أنه يدنيه من أجله؛ فيسارع إلى فعل الطاعات، ويسابق غيره على فعل الحسنات، علاوة على ذلك يأخذ على نفسه عهدا بألا يعود إلى تقصير وقع منه؛ بل يحرص على التزود من الخير قبل مداهمة الموت بابه.

     إن كثيرا من الناس تمر عليهم الأيام والشهور والسنون، وهو غارق في معاصيه، فيفاجأ بهادم اللذات ومفرق الجماعات، فيطلب التأجيل ليتوب ولكن هيهات!! ومنهم يغتر بدنياه وشبابه، وماله وجاهه، فتنسيه الدنيا منازل الآخرة، وما فيها من رهبة، فإن جاء ملك الموت أو زاره المرض تذكر، وكان من قبل يصول ويجول في ميدان الحرام والشهوات، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

     إن كر السنين ومر الشهور ينبهنا إلى أن المفقود له ثمن لا يقدر؛ فخسارته لا تسترد؛ فعلى العقلاء أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وأن يزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، وأن يتهيؤوا للعرض الأكبر.

     إن من جعل الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت الدنيا أكبر همه، جعل الله فقره في عينيه، وفرق شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له.

     إن الله لم يخلق الزمن لنضيعه، بل خلقه لنا لنستفيد منه في طاعته؛ فلا ينبغي أن يصل حالنا كحال من قال الله في شأنه ((حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))سورة المؤمنون99،100.

     فاللهم أحينا ما كانت الحياة خيرا لنا، وأمتنا إن كانت الوفاة خيرا لنا، فيا من غره طول الأمل وأنسته دنياه أنه موقوف أمام الله، ومسؤول عن عمله محاسب عن كل صغيرة وكبيرة ؛ لكنه حسب أنه – ومن تحت يده – مخلد!! فسعى إلى إسعاد حياته غافلا عن آخرته، فقطع القفار، وجاوز المفاوز والبحار؛ ليؤمن مستقبلا له ولعياله، جامعا من الحلال والحرام، لاهثا وراء اللذات، عابثا في الأوقات، يرضي العبد وينسى المعبود.

اسأل نفسك: أين من سبقوك؟!! وأين من قال أنا ربكم الأعلى؟! فالحرص على الزمن يتطلب منا اليقظة والحذر من أن يضيع منا بلا عمل مأجور وسعي مشكور، ورضا مبرور. هذه الدروس التي نستلهمها من العام الجديد، ومن انقضاء العام المنصرم تصنع فينا الهمم، والأمل وتجديد العهد مع الخالق المعبود، بقلب عقول ولسان سؤول، ونفس تائبة آيبة مخلصة إلى ربها، تنظر في أن يتغمدها المولى برحمته. فمن كان دخول العام عليه يمنحه هذه الثقة، وهذا النمط من الحياة الذي يصطلح فيه المؤمن مع ربه، فقد أفلح وفاز.

 من افتتح عامه بالمعاصي واختتمه بالفجور، فقد خسر وخاب فيا داعي الخير اقبل، ويا باغي الشر أقصر.

     إن جماعات وأفرادا من البشر ينسى أو يتناسى – ولاسيما إذا كان مثقلا بمتاع الحياة، مغترا بشبابه وولده ومنصبه وقصوره – أن حياته في هذه الدنيا محدودة، وأن عليه أن يعمر دنياه بطاعة ربه؛ ليتبوأ له مقعدا في جنة الله متنعما برضوانه. بل لا يفكر إلا في مستقبله ومستقبل من تحت يده إلا في حياة يقول الله عنها ((كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)) {21} سورة القيامة، لتكون النتيجة كما حكى القرآن: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {723} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ {75/24} تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ"سورة القيامة،  فإذا حصل لهم وله مغنما، فرح؛  ولكنه عن الآخرة غافل، وتلكم هي الخسارة الحقة!

إن محاسبة النفس وتقويمها وترشيدها بمنهج ربها؛ لهي الضمان الحقيقي لفوزها. ولن تخسر دنياها ما دامت تأخذ منها وتدع بما يرضي رب الأرض والسماء، فعلينا أن نستثمر حياتنا في عمل صالح، ونبنيها بفعل محمود، والتوفيق بيد الله أولا وآخرا، والله يتقبل من المتقين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...