الحج بين الواقع والمأمول

كتاب لها
12 - ذو القعدة - 1436 هـ| 27 - أغسطس - 2015


1

          الحج! وما أدراك ما الحج؟! إنه العبادة الكبرى التي تعد الركن الخامس من أركان الإسلام، وليس تأخر ذكره عن غيره في الحديث (بني الإسلام على خمس ......) دليلا على خمول شأنه، وإنما هذا الترتيب جاء هكذا حيث تأخر افتراضه عن بقية قواعد الإسلام الأخرى، وربما لأسباب أخرى.

 

     لقد تساهل الناس في هذه الفريضة (حجا وعمرة ) بعد أن تيسرت السبل إليه، وأمنت الطرق، وفاض المال عندهم، وصار الشروع بهما كلمة يسيرة، بينما في السابق كانت العمرة والحج أمنية يحلم بها كثير من عامة المسلمين. ومن الملاحظ أن كثيرا من أهل السنة والجماعة يذهب إلى الحج والعمرة، ويعود، ولم يتغير حاله إلى حال أفضل، فمن الواجب أن تغير رحلة الحج والعمرة سلوك الحجاج والمعتمرين، ليستأنفوا حياة إسلامية جديدة على ما ترضي الله ورسوله، ولكننا نجد – للأسف الشديد – خلافا لما هو مأمول، ومن يمعن في أحوال المعتمرين والحجاج لا يخطئه التقدير حول ما ذكرت.

 

     إن البيت الحرام هو أول بيت وضع لعبادة الله تعالى بمكة المكرمة، والحج لبيت الله الحرام فرض لمن يملك زادا وراحلة، وكان صحيح الجسم مستطيعا وطريقه إليه مؤمنة، فلا يسعه إلا أن يحج قبل أن يدركه الأجل وهو قريب. والآية  الكريمة التي ندبت الناس إلى الحج – وهو فرض على كل مسلم توافرت فيه شروط حجه -  تنتهي بكلام فيه وعيد لمن تخلف عن هذه الفريضة وما أكثر المتخلفين. قال تعالى : ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، ولله على الناس حِج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)) آل عمران الآية 97 .

 

     ولا أود الدخول في تفسير الآية تفصيلا، فقد اختلف المفسرون في بيان بعض الأحكام، لكنهم مجمعون على المعاني التي ذكرت. والذي أريده هو لفت نظر العازمين على الحج أو العمرة أن يعلموا: أن الحج رحلة إيمانية عظيمة فيها منافع للناس – منافع أخروية ودنيوية - وأنهم قادمون على رب كريم، أتوا إليه من كل فج عميق، مؤمنين به موحدين؛ فلا يعبدون سواه  شعثا غبرا ضاحين، وهي رحلة تربوية كبيرة في حياتهم، يربون فيها أنفسهم على أهمية الذكر وتوطيد العلاقة بينهم، وبين خالقهم، ثم بينهم وبين إخوانهم من المسلمين؛ فلا فسوق، ولا جدال، ولا صخب، ولا رفث في الحج؛  وقد أحرزوا الجائزة الكبرى منه بأن عادوا مغفورا لهم كما ولدتهم أمهاتهم؛ فهنيئا لهم هذا الكرم الإلهي؛ فلا يفرطوا في هذا الذي حصلوا عليه؛ وذلك  بعودتهم إلى سالف عهدهم الذي جاؤوا إلى الحج من أجل أن يتخلصوا منه!!.

 

     وأذكر الحجاج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال: (( إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم؛ وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها أمس)).

 

     لقد غفل كثير من الحجاج عن فهم مقاصد الحج وحكمه؛ فلم يدركوا منها سوى هذه التنقلات بين المشاعر؛ بل إن بعضهم يظن أنه في رحلة صيد، أو رحلة في بحر؛ فلا يذكرون الله ذكرا حقيقيا بألسنتهم، وقلوبهم، وعقولهم؛ فالطعام والشراب والقيل والقال ومدافعة الإخوان هي همهم، حتى يعودوا منتصرين بهذه الرحلة الإيمانية التربوية التي هي استجابة لنداء خليل الرحمن، بأمر من الملك الديان حيث يقول ربنا سبحانه في سورة الحج من 27 - 29((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق؛ ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. فكلوا منها، وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق)).

 

     إن واقعنا الإسلامي اليوم – الذي لا يخفى حاله على كل ذي لب وقلب – بحاجة ماسة ليستفيد من مدرسة الحج؛ حتى يعود المسلمون إلى أخوتهم، وقوتهم، ويتمسكوا بحبل الله المتين مخلصين دينهم لربهم.

 

     وأختم مقالي هذا بما رواه سعيد بن منصور عن ابن عمر: ((من وجد إلى الحج سبيلا سنة، ثم سنة ثم سنة، ثم مات، ولم يحج، لم يصل عليه، ولا يدرى مات يهوديا أو نصرانيا)) وروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ((ولله على الناس حِج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)) آل عمران الآية 97 . قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه. والأحاديث والآثار كثيرة يرجى مراجعة تفسير فتح القدير للإمام الشوكاني المجلد الأول ص 363 - 366   

 

     أتمنى لحجاج بيت الله الحرام التوفيق والرشاد، وأسال الله أن يعينهم على المحافظة على مكتسبات حجهم، اللهم آمين.      

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...