يا فتاة: "المجدُ" لا "يُستنسخ"!

تحت العشرين » اختراق
15 - جماد أول - 1439 هـ| 01 - فبراير - 2018


1

ما أكثر ما عانقت أسماعك في صِغَرِك مقالة والديكِ أو أحدهما:

(ابنتي هذه تشبه خالتها، أو عمَّتها)، فإذا أنتِ تنتشين بها فرحًا، باعتبار أنها تحجزُ لكِ مكانة خاصة عندهما تُوازي مكانة من تشبهينهم.

كنَّا ننتشي بمثل هذه العبارات، ونحن نجهل ماتحملُه في طيَّاتها من إيعازٍ خفيٍّ ينغرسُ –غالبًا- في أذهاننا، لنعيشه في حياتنا دون أن ندري أننا أصبحنا أسرَى له!

وهذا أمرُّ ما في الأمر...!

فأنتِ يُمكنك نعم أن تُشبهي سميَّتكِ/شبيهتك في الاسم، في الشكل، أو حتى في الصفات، لكن لاتظنِّي أبدًا، وإطلاقًا ولو لوهلة، أنَّه يتوجَّبُ عليك ـ تبعًا لذلك- مجاراتها فيما حققته هي من إنجازات! أو ما تريد أن تصل إليه من طموحات!! إذ إنَّ المرء نتاجُ مايُقدِّمه، وما يُقدِّمه كل شخصٍ إنما يأتي بحسب سقفِ مايريده ويتمناه، وهذا السقفُ بكل تأكيد يختلفُ من شخصٍ لآخر!

وإذًا:

فمن اللازم أن تبحثي عن الأفضل، عن الأسمى، أن تتطلِّعي دومًا إلى الأعلى، آلاتجعلي شبهكِ بفلانة من الناس معيقًا لكِ عن أن تأخذي أفضل مالديها، أن تتعلمي كيف وصلتْ لتستفيدي منها، وأن تُدركي أنه يجبُ عليكِ أن تحققي ماتريدينه ولو لم تحققه هي، وأن تبحثي حتى عن أفضل مما حققته، وأن تسعي إليه، إذ إن لكلِّ نفسٍ ما اكتسبت، ولكِ أنتِ ما اكتسبتِ.

وبسهولة أكثر دعيني أقول لك:

لن تصِلِي إلى هذا الأفضل، طالمَا أنتِ ترتدين عباءة من تقَرَّر أنكِ تشبهينهم، لأنَّ القاعدة تؤكِّد:

[ المجدُ: لا يُستنسخ ]!

 

بالمناسبة:

هل تتذكَّرين ما كانت قاعدتنا الأولى؟

إنها تلك التي تقول: [عليكِ بذرُ الحبِّ  ..  لا قطف الجنى]!

ونحن الآن، بين يدي قاعدتنا الثانية: [ المجدُ: لا يُستنسخ ]!

قاعدة تقول لك، وبصراحة:

إياكِ أن تضعي نفسكِ في (قالب قسريّ) يُسهم ـ إن اقتنعتِ به- في تأطير ذاتك، والنظر لها من خلاله، ولو حتى لسنوات قلَّة!

قالبٌ قسريّ يشبه تجربة (استنساخ) غير مقصودة!  استنساخكِ أنتِ لتكوني متشابهة مع غيرك!

وهيهات هيهات.

-   فلم نسمع عن بطلٍ ورَّث ابنه البطولة؛ لأنه كان فيما مضى بطلاً!

-   ولم نرَ جهبذَا ذا عِلْم أعطى تاج العِلْم لأولاده، لمجرد أنَّه كان عالمًا!

لأنّ القاعدة تقول وبسهولة:

{المجدُ: لا يُستنسخ} إلاَّ أن يشاء الله.

وهو نصُّ ما يُقرره الله عز وجل في كتابه العزيز:

(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 141].

وفيه يقول الشاعر:

كن ابن من شئتَ واكتسب أدبًا *** يُغنيك محموده عن النسبِ

إنّ الفـــــــتى مــــــــــــن يقـــــــول هـــــا أنــــذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي

وهو عينُ ما تؤكِّده حقائق التاريخ وأحداثه على مرِّ الزمن:

•   مات والد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كافرا، لكنّ الله جل وعلا اختار ولده (محمدا صلى الله عليه وسلم) ليكون النبي الخاتم، وسيد المرسلين!

•   بقي والد الصدّيق أبي بكر رضي الله عنه كافرًا فترة طويلة، لكنّ كفره لم يكن عائقًا أبدًا للابن الذي خرج من جلباب أبيه، ليكون أول المؤمنين بنبيّ الأولين والآخرين.

•   ما كان الوليد فارسًا، ولم نسمع عن عبقريّته، لكنّنا اليوم نفاخر الشرق والغرب بعبقريّة ولده خالد بن الوليد الذي غدا يوم منّ الله عليه بالإسلام سيف الله المسلول، والفارس الذي لم يُهزم في معركة قط، ولازالت عبقريته العسكرية تُدرّس في جامعات الغرب اليوم.

•   حقق الناصر أبو المظفَّر صلاح الدين الأيوبي ـ يرحمه الله ـ نصْرًا عظيمًا بفتحه للقدس، وورَّث أبناءه نصرَه، لكنَّ أبناءه اختلفوا بعده، ولم يُحققوا انتصاراتٍ كما فعل والدهم، لينتهي بهم الأمر إلى سقوط الدولة الأيوبية!

•   ما كان عبد العزيز بن مروان إلا أميرا من أمراء بني أمية، لكنّ الدنيا كلّها عرَفت ذلك العادل الخليفة الراشد، ولده عمر بن عبد العزيز!

•   لم نعرف نجم الدين أيوب، الذي كان مولى من موالي نور الدين زنكي، وظلّ يخدمه حتى ماتا يرحمهما الله، لكننا نعرف جيدا ذاك البطل الذي حقق المعجزة، فدخل فاتحًا بيت المقدس، ولده الأصغر صلاح الدين يوسف بن أيوب.

•   لم نسمع بالغازي أرطغرل، ابن البدو المتنقل الذي قضى حياته باحثا عن موطن لقبيلته التي اكتوت بجحيم المغول، لكننا اليوم نفتخرُ بأحفاده الذين أرعبوا أوروبا كلها: سليمان القانوني قاهر الصليب، ومحمد فاتح القسطنطينية، وعبد الحميد الثاني حامي فلسطين.

 

الرسالة إذًن يافتاة:

لا تتحدَّثي عن مجدٍ بناه غيرك، بل اصنعي المجد الذي يفخرُ به وبكِ من بعدُك، ولا تنسي أن تجعلي نُصْبَ عينيَّ مجدِك: أنَّ من لم يكنِ مع الله عز وجل، فلن يكون الله معه، فما ابتنى الأوَّلون أمجادهم إلاَّ بإيمانهم، ولم يجعلوا تاريخ أسلافهم للتشدُّق به في المجالس، بل تعلَّموا منه، واستاقوه أمامهم، ليحفروا على صفحات التاريخ ماهو أعظم منه، لسان الحال منهم والمقال:

         لسنا وإن أحسابُنا كرُمت *** يومًا على الأحســابِ نتَّكلُ

                                     نبـــــني كـما كــــــانت أوائــــلـــنــــا *** تبني ونفعلُ فوقَ ما فعلوا

احفظي هذه القاعدة جيدًا.

فأمَّتكِ اليوم بحاجة جِدُّ ماسة إلى من يصنعون أمجادًا غير مستنسخة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


أمل بنت زيد المنقور

كاتبة ومؤلفة | مدرب دولي معتمد
مدير دولي محترف في الإدارة والتخطيط
ممارس معتمد دوليا في مهارات التفكير
مدرب دولي معتمد في إدارة الوقت


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...