إمام وخطيب الحرم: الله وضع في شخصية فاطمة ـ رضى الله عنها ـ من الأسباب ما رفعها الله فوق نساء العالمين

أحوال الناس
15 - ذو القعدة - 1439 هـ| 28 - يوليو - 2018


1

الرياض – أون لاين

قال إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور خالد بن علي الغامدي: إن تربية الأمة على الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة، من خلال الاقتداء بالقدوات الصالحة والمؤثرة، والاهتداء بها في الخطاب والمنهج والتطبيق من أعظم العوامل، والأسس التي تسهم مساهمة عميقة في بناء الشخصية المسلمة المعتزة بدينها وثوابتها وانتمائها وتاريخها. ولأهمية عامل القدوة الصالحة وأثره الفاعل في التكوين والتربية والبناء: أمر الله نبيه أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وقال له: "فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ"الأنعام90. وضرب الله لنا في القرآن بدائع النماذج لقدوات هم غرر في جبين الزمان كالأنبياء عليهم السلام.

وأوضح فضيلته: أن أعظم القدوات التي أشاد الله بهم هو نبينا محمد ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الذي قال الله فيه "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"الأحزاب21، فالنبي هو قدوة مطلقة بلا حدود زمانية ولا مكانية في أقواله وأفعاله وأخلاقه وسيرته، حيث سرت هذه القدوة النبوية إلى ذريته وزوجاته، وقد صح في الخبر الأمر بالصلاة عليه وعلى ذريته وزوجاته فأصبحوا كذلك قدوة في العالمين، مستشهداً بقوله تعالى: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ"الأحزاب30، وقوله: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" الأحزاب33.

مشيراً إلى أن من أجلّ القدوات النبوية من أهل بيته: ابنته السيدة الشريفة الفاضلة فاطمة الزهراء  رضى الله عنها  وعن أمها المباركة خديجة وصلى الله تعالى على أبيها وسلم.

وقال: إن الحديث عن القدوة النبوية فاطمة حديثٌ مغدق الثمار، وعظيم الشأن له حلاوة ورونق وبهاء، اختار الله هذه السيدة المباركة على علم، وأودع في شخصيتها من الفضائل والكمالات ما زكاها به ورقاها في درجات العز والشرف، تربت رضي الله عنها في بيت النبوة، وتخرجت بمدرسة أبيها، وتعلمت من مشكاة الرسالة، ونهلت من علم وفقه زوجها علي ـ رضى الله عنه ـ وفقهه، فحازت أعلى المقامات، وتشرفت بأعظم الثناء، وسطر لها التاريخ أنبل المواقف، وأفخم الوقائع، في تعاملها مع ربها وأبيها وزوجها ومجتمعها.

 ولدت رضي الله عنها قبل البعثة النبوية بخمس سنوات في مكة، وقريش تبني الكعبة, وأمها خديجة بنت خويلد أحب أزواج النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى قلبه، وصاحبة المواقف المشهودة المشهورة.

 كانت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أصغر بنات النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأحبهن إلى قلبه؛ لأنها صحبته منذ نعومة أظفارها ولم تفارقه، وشهدت الأحداث الكبرى في حياته، ورأت من أحوال أبيها وأموره العجب، وشاركته معاناته وآلامه وأحزانه وهموم الدعوة.

وأضاف قائلاً: رمى المشركون سلا الجزور على رأس رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهو ساجد عند الكعبة، فجاءت فاطمة مسرعة، وأزالت القذر عن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ, وفي غزوة أحد أصيب خد النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وسال دمه بغزارة: فجأت فاطمة وغسلت الدم عنه حتى كف.

 ومرة أخرى رمى المشركون التراب على رأس رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فكانت فاطمة حاضرة فنظفت رأسه الشريف، وهي تبكي، والنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يٌهدؤها ويقول: "لا تبكي يا بنية فإن الله ناصر أباك)(رواه ابن إسحاق وضعفه الألباني)، تعلمت العلم من فم رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حتى صارت من رواة الحديث، وحديثها في دواوين السنة، وتخلقت بأخلاق النبوة وتأدبت بآداب أبيها ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

وأبان إمام وخطيب المسجد الحرام: أن الله تعالى قد وضع في شخصية فاطمة رضى الله عنها من الأسباب والعوامل ما رفعها الله فوق نساء العالمين، وجعلها قدوة عظيمة للنساء في كل زمان ومكان، وإضافة إلى ما سبق ذكره من جوانب عظمتها: فقد كانت فاطمة امرأة عابدة قانتة صوامة قوامة قانعة باليسير، صابرة على حياتها وشظف العيش وشدته، حريصة على طاعة أبيها ـصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتباع سنته, قائمة لزوجها بحقه وطاعته، ولم يحفظ عليها زلة أو خطأ. عظيمة الخوف والمراقبة لله، متدثرة بثوب الحياء والعفة والتصون، لم يُؤثر عنها كذب في الحديث وإخلاف الموعد أو تصرف مشين.

وأكد فضيلته: أنّ من جوانب عظمتها رضي الله عنها ما سطره التاريخ في قصة زواجها بعلي رضي الله عنه، وأنه حدث لم يشهد التاريخ مثله, فهو زواج سيدة نساء الجنة، ابنة سيد الأنبياء, وزوجها هو علي ـ رضى الله عنه ـ, رابع الخلفاء الراشدين، ومن أكابر سادات الصحابة، لقد كان عرساً سهلاً ميسراً متواضعاً مع كل هذا المجد والشرف.

وأشار إلى أن أمر وفاة أبيها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له أعظم الأثر على قلبها وروحها، واهتز له كيانها هزة عنيفة، وهي الصابرة المحتسبة، لكن الأمر كان أشد عليها، بل على المسلمين جميعا.

وقال فضيلة الشيخ الغامدي: إنه من الواجب علينا أن نعرف لهذه السيدة المباركة حقها، ونتخذها قدوة، ولا يجوز لنا أبداً أن نغلو فيها، أو أن نرفعها فوق منزلتها، أو نخترع لها من الفضائل مالم يصح عنها. فكم قد كذب عليها الكاذبون، وكم اختلقوا وافتروا عليها وعلى زوجها علي ـ رضى الله عنه ـ وأبنائه ما هم منه براء, فرضي الله عنها وعن أمها المباركة خديجة ـ رضى الله عنهاـ.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...