تذوقي السعادة واطردي الملل

عالم الأسرة
10 - شعبان - 1426 هـ| 14 - سبتمبر - 2005


أشعر بملل يجتاح كياني، بحزن وكآبة تتفجر من عروقي.. لا شيء جديد في حياتي.. يومي كأمسي، وأمسي كغدي.. أريد تجديداً أعيشه، أريد تغييراً أحياه..

مللت يومي.. ومللت أمسي... وأخشى أن أمل غدي.. فماذا أفعل؟

تنتابنا في أحيان كثيرة موجة من الملل أو الكآبة، خصوصاً عندما نعيش لمدة طويلة في روتين معين، وقد نحتاج بعضاً من التجديد في نمط حياتنا حتى نخرج من هذا الإحساس الذي إن تملكنا زاد كآبتنا كآبة، ولكن قبل أن نبحث عن التجديد علينا أن نقف مع أنفسنا لنسألها.

يشكو الكثيرون من أنه لا تغيير يحدث في حياتهم؛ يستيقظون في وقت محدد يفطرون، ثم يذهبون إلى العمل أو يقومون بالأعمال المنزلية هكذا حتى يحين موعد الغذاء، يتناولون طعامهم، ثم يأخذون قيلولة، ومن ثم يعاودون العمل سواء في البيت أو خارجه.. وهكذا حتى يحين موعد العشاء ومن ثم الخلود إلى النوم ويأتي اليوم الثاني لتمشي الأمور كما هي.. الأيام جميعها متشابهة.. ويرون أن المشكلة تكمن ها هنا...

بينما قد تكون الحقيقة غير ذلك، فلماذا يفترضون أن التغيير الذي قد يحدث في حياتهم سيكون جميلاً وممتعاً؟!

قد يحدث تغيير ما يجدد حياتهم ويقضي على الروتين الذي يشكون منه من غير أن يحمل لهم الفرح والسعادة؛ كمرض جديد يدخل أجسادهم، أو فقدان لقريب ما، أو مصيبة معينة قد تحل عليهم وتغيير حياتهم كلها.

ألا يمكن أن يكون التغيير على هذه الشاكلة، تغيير يخرجهم من الروتين الذين هم فيه.

إذاً علينا أن نسعد إن لم يحدث تغيير في حياتنا بدلاً من أن نكتئب ونبتئس، إن مضى يومنا الذي نحياه بسلام من دون أي مشاكل أو مفاجآت..

حياتنا جميلة أكثر مما نتوقعها.. هناك أشياء كثيرة اعتدنا وجودها حولنا وفينا ونسينا الاستمتاع بها، وأنها نعمة من نعم الله علينا، نعم لا تعد ولا تحصى.. نعم لا تعد ولا تحصى.

نعمة الصحة والعافية، نعمة النظر، السمع، الشم، النطق، المشي راحة البال، الزواج، الأطفال، المال، الأهل..وغيرها كثير كثير.. وفي كل من هذه النعم نعم أكبر وأكثر..

تخبرني إحداهن بزيارتها لطبيب العيون حيث كانت تعاني مشكلة ما في عينيها تقول: عندما دخلت عيادة طبيب العيون وكنت أود فحصهما، وضع الطبيب في عيني قطرة لتوسعة الحدقة حتى يتمكن من إجراء عملية الفحص لقاع العين..

انتهت زيارتي للطبيب وخرجت من العيادة، كانت السيارة في انتظاري لأعود إلى البيت، شعرت بضوء قوي يدخل إلى عيني كانت الشمس حادة جداً، ورغم وجود النقاب على عيني إلا أن أشعتها كانت قوية أكثر من أي يوم آخر.. وحين بحثت عن السبب عرفت أن القطرة التي وضعها الطبيب في عيني حالت دون أن تضيق الحدقة عند تعرض العين للشمس كما يحدث ذلك عادة وبشكل تلقائي..

هذه النعمة من نعم الله التي قد نعيش عمرنا كله ونموت دون أن نشعر بها

فلماذا لا نستشعر هذه النعم؟!...

الأم تشعر بأهمية بعض من هذه النعم حين تمسك بمولودها الجديد؛ تفحص عيونه، وتختبر سمعه، تتفقد أعصابه تقلق من تأخره في المشي، وبعدها يكبر وقد اعتاد هذه النعم واعتدنا وجودها فيه..

تعالوا معنا نستشعر هذه النعم..

لماذا لا نقوم بهذه التجربة:

  اعصبي عينيك لمدة ساعة لا أكثر واشعري أن الأمر غير مرهون بك وانسي أنه وقت محدد يمكنك بعده التخلص من هذه العصبة الموجودة حول عينيك، إنما هي حالة دائمة، تجولي في البيت، حاولي أن تمارسي حياتك خلال هذه الساعة وأن تقومي بما عليك من واجبات، تحدثي واستمعي، وانظري كيف يكون حالك..

صمي أذنيك، ضعي قطناً سميكاً بهما، ودعي من حولك يتحدثون افتحي التلفاز وحاولي متابعة ما يحدث به، شاهدي الصور تتحرك حاولي قراءة ما يقولونه واشعري أنها حياتك وعليك أن تحييها.

اصمتي لمدة ساعة على غير رغبة منك، وربما هذا سيكون أصعب اختبار لك، استمعي إلى الجميع، وحاولي أن تخبريهم بما تريدين قوله لا تؤجلي الكلام إلى ما بعد انقضاء المدة عبري عن أي شيء وكأنك تستطيعين الكلام، انظري إلى من حولك هل فهموا مرادك، هل تشعرين بضيق عندما لا يفهمك الآخرون، وكم ستأخذ منك الكلمات البسيطة من وقت وجهد حتى يفهمها من حولك.. واستشعري نعمة النطق.

تخيلي أنك لا تستطيعين المشي، وأنه ليس بإمكانك الذهاب إلى أي مكان مشياً على الأقدام، وأنك قد تضطرين إلى الزحف إن لم يكن أحد يساعدك على الذهاب حيث تريدين وأن شرب كوب من الماء الذي لا تلقي له بالاً قد يكون من أصعب الأشياء التي يمكنك القيام بها.

نعمة التذوق كثيراً ما افتقدناها، عندما يصاب أحدنا بالزكام، يفقد الإحساس بطعم ما يأكل ويصبح الطعام كله متساوياً المالح كالحلو كالحار مما يجعلنا نرفض إتمام طعامنا وإن كنا جياعاً.

نعمة عدم الإحساس بأي نوع من أنواع الألم.. فالألم يحرم صاحبة لذة النوم والأكل والاستمتاع بأي أمر يقوم به.

وأشياء كثيرة وكثيرة يصعب حصرها، بل يستحيل حصرها.

  إنها ساعة فقط.. ساعة

لا أكثر من عمرك.. جربيها لتشعري بالنعمة التي أنت فيها، ولا نعني بكلامنا هذا أنه إن فقدنا نعمة من هذه النعم- لا قدر الله- أن نشعر باليأس والحزن، إذ إن هناك الكثير من النعم التي مازلنا ننعم بها ونستمتع بوجودها، ولكن ماذا عمن أعطي الكثير الكثير منها ويشعر بكآبة تجتاح حياته، ما زال ينتظر حدثاً جديداً في حياته يبعث السعادة في نفسه ويجدد حياته.

تعالوا نعيد النظر في حياتنا.. تعالوا نعيشها حلوة كما هي، نستشعر النعم التي ننعم بها، فإن اليوم الذي يذهب منا استحالة أن يعود إلينا، فلماذا نجعل عمرنا يتسرب من بين أصابعنا دون أن نعيش لحظاته بسعادة ورضا؟..

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سلام نجم الدين الشرابي

كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





العضوية:
• عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
• عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
• عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
العمل:
• مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
• مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
• مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
• مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
• كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
• كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
• مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

المشاركات:
• المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
• استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
• استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
• استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
• استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
• المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
• المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
• المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
• تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

الإصدارات:
• صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
• لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


الإنتاج العلمي:
- الدور التثقيفي للتلفزيون.
ورش عمل ومحاضرات:
إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
• دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
• دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
• دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
• دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



تعليقات
-- أبو أسامة - السعودية

11 - شعبان - 1426 هـ| 15 - سبتمبر - 2005




إن ما ذكرتيه طيب ولكنك لم تلامسي كبد الموضوع فالتغير والسعي للخروج على الروتين مطلب أساسي في الحياة والذي أخرج منه بعد قراءة مقالك أن أحمد الله على ما نحن فيه ونستشعر نعم الله علينا وحسب وأماما افترضتيه من إمكانية أن يكون التغيرللأسوء فهذا وارد ونسبته كالعادة تصل ل 50% مع وجود احتمال آخر قدره كذلك 50% تكون نتيجته إيجابية ومشجعة فلماذا نرضى بالتقاعس والهروب من التغير بل يجب أن نحث أنفسنا وأحبابنا على السعي للتغير مع اللجوء إلى الله عز وجل والانطراح بين يده ودعاءه بأن يوفقنا في التغير ويكون تغيرا للأفضل .
أرجو قبول وجهة نظري ولك إحترامي وتقديري

-- دينا - أخرى

11 - شعبان - 1426 هـ| 15 - سبتمبر - 2005




الموضوع جميل جدا ، وهذا هو الأنسان ، لايحس بالنعم الموجودة بين يديه ، وإذا فقد إحداها يحس بقيمتها . وأرى أن الحياة تصبح أجمل وذي قيمة أكبر عندما نساعد الآخرين في أمورهم ، وندخل البسمة عليهم ، لأن قيمة الأنسان وبالتالي قيمة حياته تأتي من أدخال السرور على الغير ، وأنا شخصيا عندما يصيبني الملل أحاول أن أساعد من حولي في أمر ما مهما كان بسيطا أو أقدم لأي طفل من جيراننا حلوى أو شيء جميل ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر ، فأن القيام بهذه الأمور يدخل السعادة على نفسي وأيامي ويطرد منها الملل والروتين . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال : خير الناس أنفعهم للناس . وشكرا لكم .

-- وليد - السعودية

12 - شعبان - 1426 هـ| 16 - سبتمبر - 2005




اختي الكريمة

ماتضمنته الاسطر الأولى من مقالك هو واقعي المرير الذي لا ينفك يلازمني ولا اجد له خلاصا.

لذا شرعت في استكمال المقال لعلي اجد حلولا تقوي العزم وتثبت الارادة على التغيير .

لكن للأسف وجدت ما يدعو إلى قبول الواقع وتكريسه .

لماذا اختي الكريمة لا تفسحي لقارئك مساحة من امل بالتغير نحو الأفضل بدل الدعوة إلى قبول الواقع المؤلم لكون المستقبل قد يكون اشد ايلاماً .

في الختام اشكر لك تطرقك لهذالموضوع شديد الأهمية في حياتنا واسأل الله لك الحياة السعيدة البعيدة عن الرتابة والملل

وتقبلي تحياتي

-- رائد - أخرى

13 - شعبان - 1426 هـ| 17 - سبتمبر - 2005




أنا أوافق كاتب المقال فيما عرضه ولا أجد في فيما يقولوه ما يدعو إلى اليأس بل لفت النظر إلى أن حياتنا يكل ما فيها من نعم جميلة
وأرى أن ما من وصفة محددة يمكن كتابتها لطرد الملل، فقد تكون أحد النصائح المقدمة لطرد الملل السفر ولكن هل أي منا يملك الامكانيات والظروف المناسبة ليستطيع السفر، مثل هذه الحلول ربما ستزيد الإحساس بالملل واليأس بدل أن تقدم لنا الحل، لكننا إن شعرنا بقيمة ما نملك عشنا حياتنا بسعادة وانطلقنا من خلال هذا الإحساس إلى البحث عما يطرد اليأس داخلنا كل حسب إمكانياته وظروفه لكن الإنسان للأسف ينظر إلى مالا يملك وينسى أو يتناسى ما عنده وشكراً لكم

-- ماهر - الإمارات العربية المتحدة

14 - شعبان - 1426 هـ| 18 - سبتمبر - 2005




محاولة حذقة من كاتبة ماهرة لاستدراج القارء إلى كنه الموضوع!
بحثت في مقالك عن إجابات لتساؤلاتك الأولى.. فوجدتها في النعم التي أملكها، ولم أعتد على رؤيتها.

-- حنان - المغرب

04 - ذو القعدة - 1426 هـ| 05 - ديسمبر - 2005




اشكركم كثيرا سلام الدين الشرابي الحمد لله ارجعت لي تقتي بالنعمة الي مكنتش شايفاها ولا عارفة قيمتها يارب يفهم غيري كده وانا بشكرك تاني وبفدر كل انسان لهو القدرة في توصيل رسالتو لكي يحس بيها كل من يقرءها وسلام مسك الختام

-- La Vie ! - فرنسا

24 - جماد أول - 1429 هـ| 30 - مايو - 2008




مقالة رائعة تستحق الشكر

-- - أسينشين

18 - رمضان - 1430 هـ| 08 - سبتمبر - 2009




couching Sancho remiss statutory:jut achiever - Tons of interesdting stuff!!!

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...